ليس كلُّ رجلٍ يرحل كان كاذبًا.
وبعضُ أكثرِ الرجالِ حبًّا… هم أكثرُهم هروبًا.
هناك رجالٌ يحبون فعلًا، لكنهم يرحلون. لا لأن مشاعرهم كانت زائفة، بل لأن الحب، في لحظةٍ ما، طلب منهم شجاعةً لم يمتلكوها
ليس الرجل الذي لم يهتم منذ البداية هو من يحيّر المرأة، فذلك أمر يسهل فهمه. المحيّر هو ذاك الذي بدا وكأنه وجد فيها شيئًا لم يجده في غيرها؛ الرجل الذي كان يطمئن عليها دون أن تطلب، ويحفظ تفاصيلها الصغيرة، ويخطط معها لأيام لم تأتِ بعد، ثم، عندما أصبحت العلاقة تتطلب منه أكثر من الكلمات الجميلة، انسحب كأن شيئًا لم يكن.
ولسنوات، بدا لي أن الإجابة الوحيدة هي أنه لم يكن يحب بما يكفي. لكن مع الوقت، ومع القصص التي سمعتها ورأيتها تتكرر، بدأت أشك في هذه الفكرة. لأن بعض هؤلاء الرجال كانوا يحبون حقًا، وربما أحبوا أكثر مما أظهروا. المشكلة لم تكن دائمًا في مقدار الحب، بل في القدرة على احتماله عندما يصبح ثقيلًا.
نحن نخلط، دون أن نشعر، بين الحب والشجاعة، كأن أحدهما دليل على الآخر. لكن الحقيقة أن بينهما مسافة لا ننتبه إليها إلا عندما نصل إلى أول منعطف صعب. فالحب قد يدفع إنسانًا إلى أن يقول أجمل الكلمات، وأن يغمر من يحب بالاهتمام والحنان، أما الشجاعة فهي ما يجعله يبقى عندما تتحول العلاقة إلى مسؤولية، وعندما يصبح البقاء أصعب من الرحيل.
لهذا السبب، قد تجدين رجلًا يفيض بالمشاعر، لكنه يعجز عن مواجهة خلاف واحد. يكتب الرسائل الطويلة، لكنه يهرب من المحادثات التي تحتاج إلى صدق. يحلم بمستقبل معك، لكنه يتراجع عندما يصبح المستقبل قرارًا ينبغي أن يتحمل تبعاته.
ولعل هذا ما يفسر نمطًا يصفه علماء النفس منذ سنوات: أشخاص لا يجدون صعوبة في الوقوع في الحب، لكنهم يشعرون بالاختناق كلما أصبحت العلاقة أكثر قربًا وأكثر التزامًا. ليس لأنهم توقفوا عن الحب، بل لأن القرب الحقيقي يكشف مخاوف لم يتعلموا يومًا كيف يواجهونها. فينسحبون، أو يصمتون، أو يختفون، لأن الهروب يبدو لهم، في تلك اللحظة، أقل ألمًا من المواجهة.
وليس كل رجل يرحل ينتمي إلى هذا النمط، كما أن انتهاء العلاقات لا يعني دائمًا أن أحد الطرفين كان خائفًا. فالعلاقات قد تنتهي لأسباب كثيرة، وبعضها يكون النهاية الأكثر صحة للطرفين. لكن ما نتحدث عنه هنا هو ذلك الرجل الذي يقترب بكل قلبه، ثم يتراجع كلما أصبح الحب امتحانًا لا وعدًا جميلًا.
المفارقة المؤلمة أن هذا الرجل يريد الحب فعلًا، لكنه يريده في صورته الأسهل؛ حبًا لا يضعه أمام ضعفه، ولا يجبره على الاعتذار، ولا يطالبه بأن يعترف بخوفه، ولا يختبر قدرته على البقاء عندما يصبح الرحيل أكثر إغراءً.
غير أن الحب الحقيقي لا يأتي بهذه الصورة.
فثمن الحب ليس التضحية الأسطورية التي تبيعها لنا الأفلام، بل أشياء تبدو أصغر بكثير، لكنها أكثر صعوبة: أن تبقى في الحوار عندما ترغب في إغلاق الباب، وأن تعترف بخطئك بدل أن تبحث عن مبرر، وأن تقول: “أنا خائف”، بدل أن تختفي تاركًا الطرف الآخر يفتش عن ذنب لم يرتكبه.
ولهذا، لا تكون المشكلة دائمًا في المرأة التي تركها، ولا في الظروف التي ألقى عليها اللوم، بل في جزء داخله لم يتعلم بعد كيف يواجه. ولهذا أيضًا، قد ينتقل من علاقة إلى أخرى، معتقدًا أنه يبحث عن المرأة المناسبة، بينما هو، في الحقيقة، يهرب من السؤال نفسه في كل مرة. وما لم يواجه ذلك السؤال، سيظل يكرر القصة، حتى لو تغيرت الوجوه.
أما المرأة، فغالبًا ما تبدأ رحلتها في اتجاه معاكس. تعود إلى نفسها، تفتش في كلماتها، وفي أخطائها، وفي كل موقف جمعهما، باحثة عن اللحظة التي أفسدت فيها كل شيء. تسأل نفسها إن كانت قد طلبت الكثير، أو تكلمت كثيرًا، أو أحبت أكثر مما ينبغي. والحقيقة المؤلمة أن المشكلة، في كثير من الأحيان، لم تبدأ يوم طلبت منه أن يبقى، بل قبل سنوات، يوم لم يتعلم هو أصلًا كيف يبقى عندما يصبح البقاء صعبًا.
ولهذا، فإن خسارة رجل يهرب كلما اشتدت الطريق ليست دائمًا خسارة، مهما كان مقدار الحب الذي حمله لك. لأن الحياة لا تُبنى على المشاعر وحدها، بل على من يبقى عندما تعجز المشاعر وحدها عن حمل العلاقة.
فليس أصعب ما في الحب أن تجد من يحبك، بل أن تجد من يستطيع أن يظل حاضرًا عندما يصبح الحب أقل شاعرية وأكثر واقعية.
وإن كنتَ رجلًا تقرأ هذه الكلمات ورأيت فيها شيئًا من نفسك، فلا تقرؤها بوصفها إدانة، بل بوصفها فرصة. فالإنسان لا يُلام على الخوف، وإنما على أن يجعل الخوف يقود حياته. والشجاعة ليست أن تختفي عنها المخاوف، بل أن تتعلم كيف تمشي رغم وجودها، وأن تختار المواجهة حين يكون الهروب أسهل.
لأن الحب قد يجعلك تختار امرأة، لكن الشجاعة وحدها هي التي تجعلك تبقى معها


