ماذا لو لم يأتِ ذلك الحب أبدًا
هل يمكن أن يُقدَّر لبعضنا ألّا يختبر شعورًا بعينه؟
راودتني هذه الفكرة لبرهة،
حين كانت أمي تروي حكاية امرأةٍ أفنت عمرها في العمل،
تحمل على عاتقها مسؤولية عائلتها،
حتى مضت بها السنوات دون أن تتزوّج.
توقفتُ عند الفكرة طويلًا:
هل يمكن أن يُكتب لإنسانٍ أن يمضي حياته
دون أن يلامس ما يتمناه قلبه؟
هل يمكن أن تعيش…
دون أن تعرف كيف يكون أن تكون محبوبة؟
أن يراك أحدهم عالمه،
ويختارك من بين كل هذا العالم؟
تخيلتُ حياتها كصفحةٍ بيضاء لم يُكتب فيها هذا الفصل:
أيامٌ تخلو من ذلك الدفء الخفي،
من شعور أن هناك من ينتظرك،
من صوتٍ يناديك لأنك أنت، لا لشيءٍ سواك.
سنواتٌ لم تُزهر بأطفالٍ يحملون ملامحها،
ولا بيتٌ امتلأ بها وبمن اختارته قلبًا وقالبًا،
ولا تلك الدموع المختلفة…
دموع الفقد التي لا تُذرف لأن أحدًا مات،
بل لأن أحدًا كان حياةً كاملة.
هل يمكن أن ترحل ببساطة،
دون أن تذوق هذا الشعور ولو مرة؟
وضعتُ نفسي مكانها…
فتعثّر خيالي.
كأن هذا النوع من الفراغ
أوسع من أن يُتصوَّر.
وربما لأنني—على النقيض—
محاطةٌ بالحب من كل الجهات،
أمنحه بسخاء،
وأتلقّاه بامتنان،
ولا أشعر بنقصٍ يثقل روحي…
ومع ذلك،
يتسلّل سؤالٌ خافت:
هل يكفي هذا الشكل من الحب؟
ما زلتُ في بداية الطريق،
ويُفترض أن العمر أمامي ممتد، بما يكفي لألا أُثقل نفسي بهذه الأسئلة.
لكن…
هل نملك حقًا كل هذا الوقت؟
هل سألتقي بمن يستحق قلبي،ويستحق النسخة التي استغرقتُ سنواتٍ لأبنيها،
وأُرمّمها،
وأفهمها؟
لا تبدو معاييري معقّدة،
لكنها، في هذا الزمن، تغدو نادرة.
زمنٌ أصبحت فيه العلاقات أكثر هشاشة،
والنوايا أكثر التباسًا،
والقلوب أقل صبرًا مما ينبغي.
لهذا،
أرفض أن أُبدّد نفسي في الطرق الخاطئة،
أرفض أن أجرّب لمجرّد التجربة،
وأرفض أن أهب مشاعري لمن لا يُحسن رؤيتها.
أنا لا أبحث عنه، ولديّ أسبابي…
لكنني، في عمقٍ هادئ داخلي،
أنتظر أن يجدني.
ومع هذا الانتظار،
يعود السؤال، بإلحاحٍ أشد:
هل يمكن أن أعبر الحياة
دون أن أعرف هذا الشعور؟
وإن لم يكن الجواب كما أرجو…
فإني أسأل الله، بكل ما فيّ،
أن يكون عِوَضي
أجمل مما ظننت يومًا أنني حُرمت منه.


